سيد محمد طنطاوي
345
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم بين - سبحانه - أن هذا الاختلاف ليس مقصورا على الجبال فقال : * ( ومِنَ النَّاسِ والدَّوَابِّ والأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُه كَذلِكَ . . ) * . وقوله : * ( مُخْتَلِفٌ ) * صفة لموصوف محذوف . وقوله * ( كَذلِكَ ) * صفة - أيضا - لمصدر محذوف ، معمول لمختلف . أي : ليس اختلاف الألوان مقصورا على قطع الجبال وطرقها وأجزائها ، بل - أيضا - من الناس والدواب والأنعام ، أصناف وأنواع مختلف ألوانها اختلافا ، كذلك الاختلاف الكائن في قطع الجبال ، وفي أنواع الثمار . وإنما ذكر - سبحانه - هنا اختلاف الألوان في هذه الأشياء ، لأن هذا الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة اللَّه - تعالى - وعلى بديع صنعه . ثم بين - سبحانه - أولى الناس بخشيته فقال : * ( إِنَّما يَخْشَى اللَّه مِنْ عِبادِه الْعُلَماءُ ) * أي : إنما يخاف اللَّه - تعالى - ويخشاه ، العالمون بما يليق بذاته وصفاته ، من تقديس وطاعة وإخلاص في العبادة ، أما الجاهلون بذاته وصفاته - تعالى - ، فلا يخشونه ولا يخافون عقابه ، لانطماس بصائرهم ، واستحواذ الشيطان عليهم ، وكفى بهذه الجملة الكريمة مدحا للعلماء ، حيث قصر - سبحانه - خشيته عليهم . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هل يختلف المعنى إذا قدم المفعول في هذا الكلام أو أخر ؟ قلت : لا بد من ذلك ، فإنك إذا قدمت اسم اللَّه ، وأخرت العلماء ، كان المعنى . إن الذين يخشون اللَّه من عباده هم العلماء دون غيرهم ، وإذا عملت على العكس انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون إلا اللَّه ، كقوله - تعالى - : ولا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّه وهما معنيان مختلفان . فإن قلت : ما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله ؟ قلت : لما قال * ( أَلَمْ تَرَ ) * بمعنى ألم تعلم أن اللَّه أنزل من السماء ماء ، وعدد آيات اللَّه ، وأعلام قدرته ، وآثار صنعته . . أتبع ذلك بقوله : * ( إِنَّما يَخْشَى اللَّه مِنْ عِبادِه الْعُلَماءُ ) * كأنه قال : إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن عرفه حق معرفته ، وعلمه كنه علمه . وعن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال : « أنا أرجو أن أكون أتقاكم للَّه وأعلمكم به » « 1 » . وقوله : * ( إِنَّ اللَّه عَزِيزٌ غَفُورٌ ) * تعليل لوجوب الخشية ، لدلالته على أنه يعاقب على المعصية ، ويغفر الذنوب لمن تاب من عباده توبة نصوحا .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 611 .